وهبة الزحيلي
31
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
بناء ، وهم يكونون في أسراب لهم ، حتى إذا زالت الشمس عنهم رجعوا إلى معايشهم وحروثهم ، يعني لا يستترون منها بكهف جبل ولا بيت يكنهم منها . والقولان يدلان على ألا مدنية هناك ، وربما يكون منهم من يدخل في الماء ، ومنهم من يدخل في السّرب ، فلا تناقض بين قول الحسن وقتادة . وهذا تأريخ لحال جماعة بدائية تعيش على صيد الأسماك ، دون ستر ولا مأوى ، مما يستوجب على أهل المدينة شكر النعمة العظمى على العيش بأمان وارتياح تحت ظلال الأشجار وفي ردهات المنازل . وأما رحلة ذي القرنين إلى الشمال بين الشرق والغرب وبين السدين وهما جبلان بين أرمينية وأذربيجان ، فكانت إنقاذا لشعب مقهور مستضعف يتعرض لغارات القبائل المتوحشة ، فيفسدون في الأرض ، فبنى لهم سدا منيعا حصينا حماهم من تلك الموجات الغازية ، وأعلمهم أن بقاءه مرهون بإرادة اللّه . وهذا مثل فيه عبرة للدول القوية التي يجب عليها المحافظة على الشعوب الضعيفة ، والإبقاء على ثرواتها دون أخذ شيء منها ، منعا من الاسهام في إضعافها ، وأخذا بيدها نحو الأفضل ، وإغاثتها وإنقاذها من التخلف والضياع ، فإن ذا القرنين ملك الدنيا أبى أن يأخذ شيئا من أموال أولئك الأقوام ، بالرغم من بناء السد الحصين . 3 - قال القرطبي : في هذه الآية ( آية السد ) دليل على اتخاذ السجون ، وحبس أهل الفساد فيها ، ومنعهم من التصرف لما يريدونه ، ولا يتركون وما هم عليه ، بل يوجعون ضربا ويحبسون ، أو يكفلون ويطلقون كما فعل عمر رضي اللّه عنه « 1 » . 4 - إن أهل الصلاح والإخلاص يحرصون على إنجاز الأعمال ابتغاء وجه اللّه ،
--> ( 1 ) تفسير القرطبي : 11 / 59